الشيخ محمد النهاوندي
109
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وسهلنا لكم فهمه ، بأن جعلناه بلسانكم أيّها العرب لِلذِّكْرِ والاتّعاظ ، أو للحفظ على ظهر القلب فَهَلْ فيكم مِنْ مُدَّكِرٍ ومتّعظ فيرتدع عن الكفر والعصيان ، وفي التكرار تأكيد ومبالغة في التّذكار . قيل : إنّ اللّه تعالى أطال قصة صالح من بين القصص الخمس التي ذكرها في هذه السورة ، لكون معجزة صالح - وهي إخراج الناقة العظيمة من الجبل ، أو الصخرة غير القابلة للحياة - أعجب من معجزات سائر الأنبياء ، كما أنّ شقّ القمر الذي هو معجزة نبينا صلّى اللّه عليه وآله ، والمصدّرة به السورة أعجب من معجزاتهم ، حيث إنّ جميع معجزاتهم كانت أرضية ، ومعجزة نبينا صلّى اللّه عليه وآله كانت سماوية ، مع أنّ المشركين والفلاسفة قائلون بامتناع تصرّف أحد في السماويات ، واستحالة الشقّ والخرق فيها ، فأشبه حال صالح حال نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله ، فكان تسليه ببيان حال صالح أتمّ وأكمل فأطاله « 1 » . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 33 إلى 37 ] كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ( 33 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ ( 34 ) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ( 35 ) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ ( 36 ) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ( 37 ) ثمّ ذكر سبحانه قصة قوم لوط ، وإلطافه به ، وابتلائهم بالعذاب بقوله تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ والتخويفات والمواعظ الإلهية ، أو بالمنذرين والرسل . ثمّ بيّن سبحانه كيفية تعذيبهم بقوله : إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ غضبا وانتقاما منهم عذابا أو ريحا حاصِباً وراميا لهم بالحجارة الصغار إِلَّا آلَ لُوطٍ وأهله ، فانّا نَجَّيْناهُمْ من العذاب بِسَحَرٍ من الأسحار ، وإنّما كان إنجاؤهم نِعْمَةً عظيمة كائنة مِنْ عِنْدِنا وتفضلا عليهم من قبلنا لايمانهم وطاعتهم لنا ، كما أنّ تعذيب القوم كان عدلا منّا ، وأداء لما يستحقّون علينا كَذلِكَ الإنجاء من العذاب الذي كان نعمة نَجْزِي في الدنيا مَنْ شَكَرَ نعمنا بالايمان والطاعة من أيّ قوم وأية أمّة كان . وقيل : يعني كما نجّيناهم من عذاب الدنيا ، نجزي من آمن بالنجاة من عذاب الآخرة . ثمّ بيّن سبحانه أنّ عذابهم كان بعد إتمام الحجة عليهم وطغيانهم بقوله : وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ وخوّفهم لوط بَطْشَتَنا وأخذتنا الشديدة بالعذاب فَتَمارَوْا أولئك الطّغاة وكذّبونا بِالنُّذُرِ
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 52 .